كتب

حميد عقبي واختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟

أثار مقال الكاتب حميد عقبي جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية العربية خلال الأيام الماضية، بعد تناوله قضية اختفاء اسمي المترجمتين اللتين قامتا بترجمة رواية «بثينة العيسى» التي فازت بجائزة «إنسايد» الأمريكية المرموقة. فبينما احتفى الكثيرون بفوز الكاتبة، تساءل عقبي بحق: أين تكمن العدالة في أن يبقى اسم المترجمتين حبيس التهميش، بينما يتصدر اسم المؤلف وحده واجهات الاحتفالات والتغطيات الصحفية؟ هذا السؤال لم يثر فضول القراء فحسب، بل فتح الباب أمام نقاش أعمق حول مكانة المترجم في المشهد الثقافي العربي، وعن من يستحق التقدير الحقيقي عندما يتعلق الأمر بالأعمال المترجمة.

القضية التي طرحها عقبي ليست جديدة على الساحة الأدبية، لكنها جاءت هذه المرة في سياق جائزة أمريكية رفيعة المستوى، مما أعطاها زخماً إعلامياً كبيراً. فالجائزة التي تمنح سنوياً لأفضل الأعمال المترجمة إلى الإنجليزية، كانت فرصة لإبراز دور المترجمين كشركاء أساسيين في العملية الإبداعية، وليس مجرد ناقلين للنصوص. ومع ذلك، يبدو أن العرف السائد في أغلب المؤسسات الثقافية والنشر ما زال يضع المؤلف في الواجهة، تاركاً المترجم في الظل، وهو ما دفع الكثيرين إلى إعادة التفكير في معايير التكريم والتقدير.

في مقاله، لم يكتفِ حميد عقبي بتوجيه أصابع الاتهام إلى الجهات المانحة للجائزة أو الناشرين، بل انتقد أيضاً التغطيات الإعلامية العربية التي ركزت على اسم بثينة العيسى فقط، متجاهلة حقيقة أن العمل وصل إلى القائمة القصيرة ثم الفوز بفضل جهد مضنٍ قامت به مترجمتان محترفتان. هذا التجاهل، برأيه، يعكس نظرة دونية لمهنة الترجمة، ويؤدي إلى إحباط المترجمين وتقليل قيمة أعمالهم في سوق النشر العربي.

لماذا يثير هذا الترند اهتمام القراء الآن؟

يرتبط انتشار هذا الموضوع في الأيام الحالية بعدة عوامل، أبرزها تزامنه مع موسم الإعلان عن الجوائز الأدبية الدولية، حيث يترقب عشاق القراءة في الوطن العربي كل جديد حول الأعمال المرشحة والفائزة. كما أن النقاش الذي أثاره عقبي لاقى صدى واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً بين فئة الشباب والمثقفين الذين يرون في هذه القضية نموذجاً لظاهرة أوسع تتعلق بحقوق العاملين في الحقول الثقافية. إضافة إلى ذلك، فإن توقيت نشر المقال جاء بعد أيام قليلة من إعلان نتائج الجائزة، مما جعله في صدارة الأخبار الرائجة على محركات البحث، حيث يبحث آلاف المستخدمين عن تفاصيل إضافية حول القصة والخلفيات الكاملة للجدل.

كما أن القضية تلامس شغف الجمهور العربي بالترجمة والأدب المترجم، خاصة مع ازدياد الإقبال على قراءة الروايات العالمية المترجمة في السنوات الأخيرة. فالجمهور القارئ أصبح أكثر وعياً بدور المترجم، ويطالب بمنحه حقه من التقدير، وهو ما يفسر التفاعل الكبير مع مقال عقبي، وتحول وسم القضية إلى مادة للنقاش في البرامج الثقافية والندوات الأدبية.

من هو حميد عقبي؟ ولماذا تعتبر قضيته مهمة الآن؟

حميد عقبي كاتب وناقد ثقافي معروف بآرائه الجريئة في الشأن الأدبي العربي، ويتمتع بمتابعة واسعة في الأوساط الثقافية. وقد سبق له أن تناول في كتاباته ومقالاته قضايا تتعلق بأوضاع المثقفين والمبدعين العرب، ويسعى من خلال هذا المقال تحديداً إلى تسليط الضوء على ما أسماه «الظلم البين» الذي تتعرض له المترجمات والمترجمون في العالم العربي، حيث يتم التعامل معهم كعمالة موسمية لا كشركاء في الإبداع. هذا الطرح جاء في توقيت مهم، حيث تشهد المنطقة العربية حراكاً ثقافياً واسعاً نحو المزيد من الشفافية والعدالة في توزيع الألقاب والتكريمات.

كما أن أهمية هذا الترند تكمن في كونه يتجاوز حدود القضية الفردية إلى سؤال جوهري حول حقوق الملكية الفكرية والأدبية، وما إذا كان ينبغي أن يذكر اسم المترجم بشكل بارز على أغلفة الكتب وفي الإعلانات الصحفية، إلى جانب اسم المؤلف. وقد أيده في ذلك العديد من المترجمين العرب الذين شاركوا تجاربهم الشخصية مع التهميش، مؤكدين أن هذه ليست حادثة معزولة، بل هي نمط متكرر في دور النشر العربية.

كيف يمكن حل هذه الإشكالية؟

  • ضرورة إلزام دور النشر بذكر اسم المترجم على الغلاف الرئيسي للكتاب بخط واضح، وليس فقط على الصفحة الداخلية.
  • توعية الإعلاميين والصحافيين بأهمية إبراز دور المترجم في التغطيات الصحفية الخاصة بالأعمال المترجمة.
  • إنشاء جوائز عربية خاصة بالتكريم لأفضل المترجمين، أسوة بالجوائز العالمية، لتشجيعهم وتحفيزهم.
  • تثقيف القراء حول أن الترجمة الجيدة تتطلب مهارات إبداعية وأدبية عالية، تستحق التقدير المعنوي والمادي.

من ناحية أخرى، يرى بعض المحللين أن هذه القضية قد تكون بداية لتغيير حقيقي في نظرة المؤسسات الثقافية إلى المترجمين، خاصة مع تصاعد الأصوات المطالبة بتحسين أوضاعهم المهنية. ففي السابق، كانت مثل هذه المطالب تلقى آذاناً صاغية لكن دون إجراءات عملية، لكن مع اتساع رقعة النقاش العام واهتمام وسائل الإعلام، أصبح من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تطورات ملموسة على صعيد التشريعات والسياسات الثقافية.

في الختام، يبقى السؤال الذي طرحه حميد عقبي معلقاً في الأذهان: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ هل هي الرواية التي كتبتها بثينة العيسى، أم هي الترجمة البارعة التي قامت بها المترجمتان؟ الواقع أن كلاً منهما يستحق التقدير، لكن العدالة تقتضي ألا يبقى اسم المترجمتين حبيس الحواشي والهوامش، بل أن يتألق في سماء التكريم كما تتألق أسماء المؤلفين. هذا هو الدرس الذي نتمنى أن تخرجه الجائزة القادمة، وأن تلتفت إليه جميع الأوساط الثقافية العربية في 2026 وما بعدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى